محمد بن جرير الطبري
524
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ . . . فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ ( 1 ) وظلمه إياه : مجيئه في غير أوانه ، وانصبابه في غير مصبِّه . ومنه : ظَلم الرجلُ جَزوره ، وهو نحره إياه لغير علة . وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه . وقد يتفرع الظلم في معان يطول بإحصائها الكتاب ، وسنبينها في أماكنها إذا أتينا عليها إن شاء الله تعالى . وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء في غير موضعه . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا } قال أبو جعفر : اختلفت القَرَأة ( 2 ) في قراءة ذلك . فقرأته عامتهم ، " فأزلَّهما " بتشديد اللام ، بمعنى : استزلَّهما ، من قولك زلَّ الرجل في دينه : إذا هفا فيه وأخطأ ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه . وأزلَّه غيره : إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه ، ولذلك أضاف الله تعالى ذكره إلى إبليسَ خُروجَ آدم وزوجته من الجنة ، فقال : " فأخرجهما " يعني إبليس " مما كانا فيه " ، لأنه كانَ الذي سَبَّب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة . وقرأه آخرون : " فأزَالهما " ، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء ، وذلك تنحيته عنه . وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله : " فأزلهما " ، ما : -
--> ( 1 ) جاء أيضًا في تفسيره ( 2 : 50 بولاق ) منسوبًا لعمرو بن قميئة . وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني ، وهو في ديوان الحادرة ، قصيدة : 4 ، البيت رقم : 7 ، وشرح المفضليات : 54 . والبطاح جمع بطحاء وأبطح : وهو بطن الوادي . وأنهل المطر انهلالا : اشتد صوبه ووقعه . والحريصة والحارصة : السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض ، أي تقشره من شدة وقعها . والنطاف جمع نطفة : وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره . وقوله : " بعيد المقلع " : أي بعد أن أقلعت هذه السحابة . ورواية المفضليات : " ظلم البطاح له " وقوله : " له " : أي من أجله . ( 2 ) في المطبوعة : " اختلف القراء " والقَرَأَة جمع قارئ ، وانظر ما مضى : 51 ، تعليق ، وص : 64 ، 109 وغيرهما .